نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

19

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

فلما رجعنا أتينا أهله بمتاع له كان معنا فقلنا لامرأته ما كان له من عمل ؟ قالت كان يبيع الطعام يعني الحنطة وكان يأخذ كل يوم قدر قوته ثم يعرض القصب مثله ومن الكعبرة يعني عيدان الطعام فيلقيه فيه . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : في هذا الخبر دليل على أن الخيانة سبب لعذاب القبر فكان فيما رأوه عبرة للأحياء ليمتنعوا من الخيانة ، ويقال إن الأرض تنادي كل يوم خمس مرات ، أوّل نداء تقول : يا بن آدم تمشي على ظهري ومصيرك إلى بطني ، والثاني تقول يا بن آدم تأكل الألوان على ظهري وتأكلك الديدان في بطني ، والثالث تقول يا بن آدم تضحك على ظهري فسوف تبكي في بطني ، والرابع تقول يا بن آدم تفرح على ظهري فسوف تحزن في بطني ، والخامس تقول يا بن آدم تذنب على ظهري فسوف تعذب في بطني . وروي عن عمرو بن دينار قال : كان رجل من أهل المدينة له أخت في ناحية المدينة فاشتكت فكان يأتيها يعودها ، ثم ماتت فجهزها وحملها إلى قبرها فلما دفنت ورجع إلى أهلها ذكر أنه نسي كيسا كان معه فاستعان برجل من أصحابه فأتيا القبر فنبشها فوجد الكيس فقال للرجل تنح حتى أنظر على أي حال أختي ، فرفع بعض ما كان على اللحد فإذا القبر مشتعل نارا فرده فسوّى القبر ، فرجع إلى أمه فقال أخبريني عما كانت أختي عليه ؟ فقالت : ولم تسأل عن أختك وقد هلكت ؟ قال أخبريني : قالت كانت أختك تؤخر الصلاة ولا تصلي بطهارة تامة ، وتأتي في أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتخرج حديثهم : يعني أنها كانت تستمع الحديث لكي تمشي بالنميمة وهو سبب عذاب القبر ، فمن أراد أن ينجو من عذاب القبر فعليه أن يتحرز عن النميمة وعن سائر الذنوب لينجو من عذابه ويسهل عليه سؤال منكر ونكير ، قال اللّه تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وروى البراء بن عازب رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إذا سئل المسلم في القبر فيشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله » فذلك قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ويكون التثبيت في ثلاثة أحوال لمن كان مؤمنا مخلصا مطيعا للّه تعالى : أحدها : في مثل معاينة ملك الموت ، والثاني في حال سؤال منكر ونكير ، والثالث في حال سؤاله عند المحاسبة يوم القيامة . فأما التثبيت عند معاينة ملك الموت فهو على ثلاثة أوجه . أحدها : العصمة من الكفر ، وتوفيق الاستقامة على التوحيد حتى تخرج روحه وهو على الإسلام ، والثاني أن تبشره الملائكة بالرحمة ، والثالث أن يرى موضعه من الجنة . والتثبيت في القبر على ثلاثة أوجه . أحدها : أن يلقنه اللّه تعالى الصواب حتى يجيبهما بما يرضى منه الرب ، والثاني أن يزول عنه الخوف والهيبة والدهشة ، والثالث أن يرى مكانه في الجنة فيصير القبر روضة من رياض الجنة . وأما التثبيت عند الحساب فهو على ثلاثة أوجه أحدها : أن يلقنه الحجة عما يسأل عنه ، والثاني أن يسهل عليه الحساب ، والثالث أن يتجاوز عنه الزلل